فـي السنـة المطهـرة
هذا مثال من تاريخ نساء العروبة و الإسلام، ينبغي لكل مسلمة أن تجعله نصب عينيها: إن فاطمة بنت أمير المؤمنين عبد الملك بن مروان كان لأبيها -يوم تزوجت- السلطان الأعظم على الشام و العراق و الحجاز و اليمن و إيران و السند و قفقاسيا و القرم و ما وراء النهر إلى نجارا و جنوة شرقا، و على مصر و السودان و ليبيا و تونس و الجزائر و المغرب الأقصى و إسبانيا غربا… و لم تكن فاطمة هذه بنت الخليفة الأعظم و حسب، بل كانت كذلك أخت أربعة من فحول خلفاء الإسلام، و هم: الوليد بن عبد الملك، و سليمان بن عبد الملك، و يزيد بن عبد الملك، و هشام بن عبد الملك، و كانت فيما بين ذلك زوجة أعظم خليفة عرفة الإسلام بعد خلفاء الصدر الأول، و هو أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز.
و هذه السيدة التي كانت بنت خليفة، و زوجة خليفة، و أخت أربعة من الخلفاء، خرجت من بيت أبيها إلى بيت زوجها يوم زفت إليه و هي مثقلة بأثمن ما تملكه امرأة على وجه الأرض من الحلي و المجوهرات، و يقال: إن من هذه الحلي قرطي مارية اللذين اشتهرا في التاريخ، و تغنى بهما الشعراء، و كانا وحدهما يساويان كنزا. و من فضول القول أن أشير إلى أن عروس عمر بن عبد العزيز كانت في بيت أبيها تعيش في نعمة لا تعلو عليها عيشة امرأة أخرى في الدنيا لذلك العهد، و لو أنها استمرت في بيت زوجها تعيش كما كانت تعيش قبل ذلك لتملأ كرشها في كل يوم وفي كل ساعة بأدسم المأكولات و أندرها و أغلاها، و تنعم نفسها بكل أنواع النعيم الذي عرفه البشر، لاستطاعت ذلك… و لذلك اختار الخليفة الأعظم عمر بن عبد العزيز -في الوقت الذي كان فيه أعظم ملوك الأرض- أن تكون نفقة بيته بضعة دراهم في اليوم، و رضيت بذلك، فكانت مغتبطة بذلك؛ لأنها تذوقت لذة القناعة، و تمتعت بحلاوة الإعتدال… بل اقترح عليها زوجها أن تترفع عن عقلية الطفولة فتخرج عن هذه الألاعيب و السفاسف التي كانت تبهرج بها أذنيها و عنقها و شعرها و معصميها مما لا يسمن و لا يغني من جوع، و لو بيع لأشبع ثمنه بطون شعب برجاله و نسائه و أطفاله، فاستجابت له، واستراحت من أثقال الحلي و المجوهرات و اللآلئ و الدرر التي حملتها معها من بيت أبيها، فبعثت بذلك كله إلى بيت مال المسلمين.
و توفي عقب ذلك أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز و لم يخلف لزوجته و أولاده شيئا، فجاءها أمين بيت المال، و قال لها: إن مجوهراتك يا سيدتي لا تزال كما هي، و إني اعتبرتها أمانة لك، و حفظتها لهذا اليوم، و قد جئت أستأذنك في إحضارها. فأجابته بأنها وهبتها لبيت مال المسلمين طاعة لأمير المؤمنين، ثم قالت: "و ما كنت لأطيعه حيا و أعصيه ميتا". و أبت أن تسترد من مالها الحلال الموروث ما يساوي الملايين الكثيرة، في الوقت الذي كانت محتاجة فيه إلى دريهمات، و بذلك كتب الله لها الخلود. و ها نحن نتحدث عن شرف معدنها، و رفيع منزلتها بعد عصور و عصور، رحمها الله، و أعلى مقامها في جنات النعيم.
1- ملاطفـة الزوجـة عنـد البنـاء بهـا:
يستحب للزوج إذا دخل على زوجته أن يلاطفها، كأن يقدم إليها شيئا من الشراب و نحوه.
2- وضـع اليـد علـى رأس الزوجة و الدعاء لها:
عند البناء بها أو قبل ذلك، يضع يده على مقدمة رأسها، و يسمي الله تبارك و تعالى، و يدعو بالبركة، و يقول ما جاء في قوله صلى الله عليه وسلم: "إذا تزوج أحدكم امرأة، أو اشترى خادما، ]فليأخذ بناصيتها[ (منبت الشعر في مقدم الرأس)، ]و لْيُسَمِ الله عزَّ و جلَّ[، ]و ليدعُ بالبركة[، و ليقل: اللهم إني أسألك من خيرها و خير ما جَبَلْتَهَا عليه، و أعوذ بك من شرِّها و شرِّ ما جَبَلْتَهَا (خلقتها و طبعتها) عليه". (في الحديث دليل على أن الله خالق الخير و الشر، خلافا لمن يقول -المعتزلة و غيرهم- بأن الشر ليس من خلقه تبارك و تعالى، و ليس في كون الله خالقا للشر ما ينافي كماله تعالى، بل هو من كماله تبارك و تعالى). -و يشرع هذا الدعاء في شراء البعير (يأخذ بذروة سنامه) و مثل السيارة أيضا لما يرجى من خيرها، و يخشى من شرها-.
3- صلاة الزوجين معا:
و يستحب لهما أن يصليا ركعتين معا. قال النبي صلى الله عليه وسلم: "إذا دخلت المرأة على زوجها؛ يقوم الرجل، فتقوم من خلفه، فيصليان ركعتين، و يقول: اللهم بارك لي في أهلي، و بارك لأهلي فيَّ، اللهم ارزقهم مني، وارزقني منهم، اللهم اجمع بيننا ما جمعت في خير، و فرق بيننا إذا فرقت في خير". ثم شأنك و شأن أهلك.
4- ما يقول حين يجامعها:
ينبغي أن يقول حين يأتي أهله: بسم الله، اللهم جنبنا الشيطان، و جنب الشيطان ما رزقتنا.
قال النبي صلى الله عليه وسلم: "فإن قضى الله بينهما ولدا؛ لم يضره الشيطان أبدا".
5- كيف يأتيها:
يجوز له أن يأتيها في قبلها من أي جهة شاء، من خلفها أو من أمامها لقوله تعالى: "نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنَّى شئتم"، أي كيف شئتم؛ مقبلة و مدبرة، و مستلقية.
6- تحريم الدبر:
يحرم عليه أن يأتيها في دبرها.
7- الوضوء بين الجماعين:
و إذا أتاها في المحل المشروع، ثم أراد أن يعود إليها توضأ لقوله e: "إذا أتى أحدكم أهله، ثم أراد أن يعود، فليتوضأ ]بينهما وضوءا[ (و في رواية: وضوءه للصلاة) ]فإنه أنشط في العود[".
8- الغسل أفضل:
لكن الغسل أفضل من الوضوء، قال الرسول صلى الله عليه وسلم: "هذا أزكى و أطيب و أطهر".
9- اغتسال الزوجين معا:
يجوز لهما أن يغتسلا معا في مكان واحد، ولو رأى منها و رأت منه. (جواز نظر الرجل إلى عورة امرأته و عكسه). قال النبي صلى الله عليه وسلم: "احفظ عورتك إلا من زوجتك أو ما ملكت يمينك" (مباح النظر لكل واحد من الزوجين إلى جميع بدن صاحبه، و لمسه حتى الفرج، و لأن الفرج يحل له الإستمتاع به، فجاز النظر إليه و لمسه كبقية البدن).
10- توضؤ الجنب قبل النوم:
و لا ينامان جُنبين إلا إذا توضآ. عن عائشة رضي الله عنها قالت: "كان رسول الله e إذا أراد أن ]يأكل أو[ ينام و هو جنب غسل فرجه، و توضأ وضوءه للصلاة".
قال الرسول صلى الله عليه وسلم: "ثلاثة لا تقربهم الملائكة، جيفة الكافر، و المتضمخ (أي المكثر التلطخ بالخلوق -و هو بفتح المعجمة، و هو طيب معروف، مركب من الزعفران و غيره من أنواع الطيب-، و إنما نهي عنه لأنه من طيب النساء) بالخلوق، و الجنب إلا أن يتوضأ".
11- حكم هذا الوضوء:
و ليس ذلك على الوجوب، و إنما للإستحباب المؤكد. قال النبي صلى الله عليه وسلم لما سأله عمر: أينام أحدنا و هو جنب؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "نعم، و يتوضأ إن شاء".
و يؤيده حديث عائشة رضي الله عنها حين قالت: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينام و هو جنب من غير أن يمس ماءً ]حتى يقوم بعد ذلك فيغتسل"[.
ملاحظة: جاء في لفظ آخر
-"فإن استيقظ من آخر الليل، فإن كان له في أهله حاجة عاودهم ثم اغتسل"؛
- "إذا جامع الرجل ثم أراد أن يعود؛ فلا بأس أن يؤخر الغسل"؛
-"إن شاء الجنب نام قبل أن يتوضأ".
12- تيمم الجنب بدل الوضوء:
و يجوز لهما التيمم بدل الوضوء أحيانا. قالت عائشة رضي الله عنها: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أجنب فأراد أن ينام توضأ، أو تيمم".
…و جاء أنه "كان إذا واقع بعض أهله فكسل أن يقوم ضرب يده على الحائط فتيمم".
13- اغتساله قبل النوم أفضل:
واغتسالهما أفضل… سئلت عائشة كيف كان e يصنع في الجنابة؟ أكان يغتسل قبل أن ينام، أم ينام قبل أن يغتسل؟ قالت: كل ذلك قد كان يفعل، ربما اغتسل فنام، و ربما توضأ فنام، قلت: الحمد لله الذي جعل في الأمر سعة.
14- تحريم إتيان الحائض:
و يحرم عليه أن يأتيها في حيضها لقوله تبارك و تعالى: ‘’ و يسألونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض و لا تقربوهن حتى يطهرن فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله إن الله يحب التوابين و يحب المتطهرين''
قل هو أذىً: و هو شيء تتأذى به المرأة… و غيره برائحة دم الحيض… و لأن غشيانهن سبب للأذى و الضرر، و إذا سلم الرجل من هذا الأذى، فلا تكاد تسلم منه المرأة، لأن الغشيان يزعج أعضاء النسل فيها إلى ما ليست مستعدة له، و لا قادرة عليه لاشتغالها بوظيفة طبيعية أخرى، و هي إفراز الدم المعروف.
و لا تقربوهن حتى يَطْهُرْنَ: هو انقطاع دم الحيض، و هو ما لا يكون بفعل النساء؛ بخلاف التطهر في قوله: ! فإذا تطهرن، فإنه من عملهن، و هو استعمال الماء منهن.
15- كفارة من جامع الحائض:
و من غلبته نفسه فأتى الحائض قبل أن تطهر من حيضها، فعليه أن يتصدق بدينار أو نصف دينار.
16- ما يحل له من الحائض:
يجوز له أن يتمتع بما دون الفرج من الحائض. قال صلى الله عليه وسلم: "…واصنعوا كل شيء إلا النكاح (أي الجماع) (أصل النكاح في كلام العرب الوطء، و قيل للتزوج: نكاح، لأنه سبب للوطء المباح).
عن عائشة رضي الله عنها قالت: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمر إحدانا إذا كانت حائضا أن تتزر، ثم يضاجعها زوجها، و قالت مرة: يباشرها" (أراد بالمباشرة الملامسة، و أصله من لمس بشرة الرجل بشرة المرأة، و قد ترد بمعنى الوطء في الفرج، و خارجا منه). -(و يكون للرجل من امرأته إن كانت حائضا كل شيء إلا الجماع)- -(و قد صح مثله في الصائم)-.
و النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أراد من الحائض شيئا ألقى على فرجها ثوبا ]ثم صنع ما أراد[.
17- متى يجوز إتيانها إذا طهرت:
فإذا طهرت من حيضها، وانقطع الدم عنها؛ جاز له وطؤها بعد أن تغسل موضع الدم منها فقط، أو تتوضأ، أو تغتسل، أي ذلك فعلت، جاز له إتيانها...
18- جواز العزل:
و يجوز له أن يعزل عنها ماءه (العزل= النزع بعد الإيلاج لينزل خارج الفرج).
19- الأولى ترك العزل:
و لكن تركه أولى لأمور:
الأول: أن فيه إدخال ضرر على المرأة لما فيه من تفويت لذتها، فإن وافقت عليه ففيه ما يأتي، و هو:
الثاني: أنه يفوت بعض مقاصد النكاح، و هو تكثير نسل أمة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، و ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: "تزوجوا الودود الولود، فإني مكاثر (أي أغالب بكم الأمم السابقة في الكثرة، و هو تعليل للأمر بتزوج الولود الودود، و إنما أتى بقيدين لأن الودود إذا لم تكن ولودا لا يرغب الرجل فيها، و الولود غير الودود لا تحصل المقصود…) بكم الأمم".
و لذلك وصفه النبي صلى الله عليه وسلم بالوأد الخفي حين سألوه عن العزل: "ذلك الوأد الخفي".
سمي وأدا خفيا لأن الرجل إنما يعزل عن امرأته هربا من الولد، و حرصا على أن لا يكون، فجرى قصده و نيته و حرصه على ذلك مجرى من أعدم الولد بوأده، لكن ذلك وأد ظاهر من العبد فعلا و قصدا، و هذا وأد خفي منه، إنما أراده و نواه عزما و نية، فكان خفيا.
(و لم يصرح الرسول e لهم بالنهي، و إنما أشار إلى أن الأولى ترك العزل، لأن العزل إنما كان خشية حصول الولد، فلا فائدة في ذلك، لأن الله إن كان قدر خلق الولد لم يمنع العزل ذلك، فقد يسبق الماء و لا يشعر العازل، فيحصل العلوق و يلحقه الولد، و لا رادً لما قضى الله).
و هذه الإشارة إنما هي بالنظر إلى العزل المعروف يومئذ، و أما في هذا العصر، فقد وجدت وسائل يستطيع الرجل بها أن يمنع الماء عن زوجته منعا باتا مثل ما يسمى اليوم بربط المواسير، و كيس الكاوتشوك الذي يوضع على العضو عند الجماع، و نحوه، فلا يرد عليه حينئذ هذا الحديث و ما في معناه، بل يرد ما ذكر في الأمرين الأوليين، و خاصة الثاني منهما.
و على كل حال، فالكراهة عندي فيما إذا لم يقترن مع الأمرين أو أحدهما شيء آخر هو من مقاصد أهل الكفر في العزل، مثل خوف الفقر من كثرة الأولاد، و تكلف الإنفاق عليهم و تر بيتهم، ففي هذه الحالة ترتفع الكراهية إلى درجة التحريم، لإلتقاء العازل في نيته مع الكفار الذين كانوا يقتلون أولادهم خشية الإملاق و الفقر، كما هو معروف. بخلاف ما إذا كانت المرأة مريضة، يخشى الطبيب أن يزداد مرضها بسبب الحمل، فيجوز لها أن تتخذ المانع مؤقتا، أما إذا كان مرضها خطيرا يخشى عليها الموت، ففي هذه الحالة فقط يجوز، بل يجب ربط المواسير منها، محافظة على حياتها. و الله أعلم.
20- ما ينويان بالنكاح:
و ينبغي لهما أن ينويا بنكاحهما إعفاف نفسيهما، و إحصانهما من الوقوع فيما حرم الله عليهما، فإنه تكتب مباضعتهما صدقة لهما... لابد من النية عند عقده عليها.
21- ما يفعل صبيحة بنائه:
و يستحب له صبيحة بنائه بأهله أن يأتي أقاربه الذين أتوه في داره، و يسلم عليهم، و يدعو لهم، و أن يقابلوه بالمثل. عن أنس رضي الله عنه: "أولم رسول صلى الله عليه وسلم إذ بنى بزينب، فأشبع المسلمين خبزا و لحما، ثم خرج إلى أمهات المؤمنين فسلم عليهن، و دعا لهن، و سلمن عليه و دعون له، فكان يفعل ذلك صبيحة بنائه".
22- وجوب اتخاذ الحمَّام في الدار:
يجب عليهما أن يتخذا حماما في دارهما، و لا يسمح لها أن تدخل حمام السوق، فإن ذلك حرام. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من كان يؤمن بالله و اليوم الآخر فلا يدخل حليلته الحمام، و من كان يؤمن بالله و اليوم الآخر فلا يدخل الحمام إلا بمئزر، و من كان يؤمن بالله و اليوم الآخر فلا يجلس على مائدة يدار عليها الخمر".
و عن أم الدرداء قالت: خرجت من الحمام، فلقيني رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: "من أين يا أم الدرداء؟ قالت: من الحمام، فقال: "و الذي نفسي بيده، ما من امرأة تضع ثيابها في غير بيت أحد من أمهاتها، إلا و هي هاتكة كل ستر بينها و بين الرحمان".
23- تحريم نشر أسرار الإستمتاع:
و يحرم على كل منهما أن ينشر الأسرار المتعلقة بالوقاع.
24- وجوب الوليمة:
لابد له من وليمة بعد الدخول. قال صلى الله عليه وسلم: "إنه لابد للعرس (و في رواية للعروس) من وليمة".
25- السنة في الوليمة:
و ينبغي أن يلاحظ فيها أمورا:
- أن تكون ثلاثة أيام عقب (بعد) الدخول.
- أن يدعو الصالحين إليها، فقراء كانوا أو أغنياء. قال صلى الله عليه وسلم: "لا تصاحب إلا مؤمنا، و لا يأكل طعامك إلا تقي".
-أن يولم بشاة أو أكثر إن وجد سعة.
26- جواز الوليمة بغير لحم:
و يجوز أن تؤدى الوليمة بأي طعام تيسر، و لو لم يكن فيه لحم.
27- مشاركة الأغنياء بمالهم في الوليمة:
و يستحب أن يشارك ذوو الفضل و السعة في إعدادها.
28- تحريم تخصيص الأغنياء بالدعوة:
لا يجوز أن يخص بالدعوة الأغنياء دون الفقراء... "شر الطعام طعام الوليمة، يدعى لها الأغنياء، و يمنعها المساكين، و من لم يجب الدعوة فقد عصى الله و رسوله".
29- وجوب إجابة الدعوة:
و يجب على من دعي إليها أن يحضرها.
30- الإجابة و لو كان صائما:
و ينبغي أن يجيب و لو كان صائما.
31- الإفطار من أجل الداعي:
و له أن يفطر إذا كان متطوعا في صيامه، و لا سيما إذا ألح عليه الداعي.
32- لا يجب قضاء يوم النفل:
و لا يجب عليه قضاء ذلك اليوم.
33- ترك حضور الدعوة التي فيها معصية:
لا يجوز حضور الدعوة إذا اشتملت على معصية، إلا أن يقصد إنكارها و محاولة إزالتها، فإن أزيلت، و إلا وجب الرجوع.
أولا: عن علي قال: "صنعت طعاما فدعوت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجاء فرأى في البيت تصاوير، فرجع ]قال: فقلت: يا رسول الله! ما أرجعك بأبي أنت و أمي؟ قال: "إن في البيت سترا فيه تصاوير، و إن الملائكة لا تدخل بيتا فيه تصاوير[".
ثانيا: و عن عائشة أنها اشترت نُمْرُقة (الوسادة) فيها تصاوير، فلما رآها رسول الله e قام على الباب، فلم يدخل، فعرفت في وجهه الكراهية، فقالت: يا رسول الله! أتوب إلى الله و إلى رسوله، ماذا أذنبت؟ فقال صلى الله عليه وسلم: ما بال هذه النمرقة؟ فقلت: اشتريتها لك لتقعد عليها و توسدها، فقال صلى الله عليه وسلم: "إن أصحاب هذه الصور (و في رواية: إن الذين يعملون هذه التصاوير) يعذبون يوم القيامة (… قال الحافظ تحت هذه الجملة من الحديث: "و فيه أن الملائكة لا تدخل بيتا فيه الصور، و هذه الجملة هي المطابقة لامتناعه من الدخول، و إنما قدم الجملة الأولى -يعني: إن أصحاب هذه الصور…- عليها اهتماما بالزجر عن اتخاذ الصور، لأن الوعيد إذا حصل لصانعها فهو حاصل لمستعملها، لأنها لا تصنع إلا لتستعمل، فالصانع متسبب، و المستعمل مباشر، فيكون أولى بالوعيد"، و يقال لهم: أحيوا ما خلقتم، و إن البيت الذي فيه ]مثل هذه[ الصور لا تدخله الملائكة ]قالت: فما دخل حتى أخرجتها[... فيه دليل على أن من دعي إلى وليمة فيها شيء من المناكير و الملاهي فإن الواجب أن لا يجيب؛ إلا أن يكون ممن لو حضر يُترك أو يرفع بحضوره أو بنهيه.
يقول الألباني: و ظاهر هذا الحديث مخالف لحديث عائشة الآتي في المسألة 38، فإن فيه ما يدل على أنه صلى الله عليه وسلم استعمل الستر الذي فيه الصور بعد أن قطع و عمل منه وسادتان، أما هذا فإنه يدل على أنه صلى الله عليه وسلم أنكر ذلك… و قد حكى الحافظ في "الفتح" في الجمع بين الحديثين أقوالا عن العلماء، و ذكر هو من عنده وجها آخرا، و هو أن عائشة لما قطعت الستر وقع القطع في وسط الصورة مثلا، فخرجت عن هيئتها، فلهذا صار يرتفق بها، قال: "و يؤيد هذا الجمع الحديث الذي في الباب قبله في نقض الصور، و ما سيأتي في حديث أبي هريرة". و الله أعلم.
يقول الألباني: و هذا الجمع لابد منه، للزيادة الأخيرة، فإنها صريحة في المنع من استعمال الوسادة المصورة و لو كانت ممتهنة، إلا إذا لم يمكن تغييرها إلا بإتلاف الثوب أو المتاع، فقد يغتفر ذلك محافظة على المال.
أ- قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه حين دعاه نصراني: "إنا لا ندخل كنائسكم من أجل الصور التي فيها". (واعلم أن في قول عمر هذا دليلا واضحا على خطأ ما يفعله بعض المشايخ من الحضور في الكنائس الممتلئة بالصور و التماثيل؛ استجابة منهم لرغبة بعض المسؤولين أو غيرهم، و ليت أن الأمر وقف عند هذا الحد، و لكنهم مع الأسف الشديد يسمعون كلمة الكفر و الضلال من بعض المتكلمين فيها -و قد يكون مسلما- ثم ينصتون و لا ينطقون! و لا يظهرون حكم الشرع في ذلك، و هم يعلمون! مثل قول بعضهم: إنه لا فرق بين مسلم و مسيحي! الدين لله و الوطن للجميع! و حكم آخرين بالشهادة لمن ليس مسلما، مع علمهم أن المسلم نفسه لا يحكم له بالشهادة إلا بشروط معروفة لديهم، و غير ذلك من المخالفات، فإنا لله و إنا إليه راجعون.
ب- و عن أبي مسعود- عقبة بن عمرو- أن رجلا صنع له طعاما، فدعاه، فقال: "أفي البيت صورة؟ قال: نعم، فأبى أن يدخل حتى كسر الصورة، ثم دخل.
ج- قال الإمام الأوزاعي: "لا ندخل وليمة فيها طبل و لا معزاف".
34- ما يستحب لمن حضر الدعوة:
الأول: أن يدعو لصاحبها بعد الفراغ بما جاء عنه صلى الله عليه وسلم و هو أنواع:
- "اللهم اغفر لهم، وارحمهم، و بارك لهم فيما رزقتهم"؛
- "اللهم أطعم من أطعمني، واسق من سقاني"؛
- "أكل طعامكم الأبرار، وصلت عليكم الملائكة، و أفطر عندكم الصائمون"؛ (واعلم أن هذا الذكر ليس مقيدا بالصائم بعد إفطاره، بل هو مطلق، و قوله: "أفطر عندكم الصائمون…" ليس هو إخبارا، بل هو دعاء لصاحب الطعام بالتوفيق حتى يفطر الصائمون عنده، و ينال أجر إفطارهم، فهو كالجملتين الأخريين: "أكل طعامكم الأبرار، و صلت عليكم الملائكة"، و هو بالنسبة إلينا لا يمكن أن يكون إلا دعاء كما لا يخفى، و ليس في الحديث التصريح بأنه صلى الله عليه وسلم كان صائما، فلا يجوز تخصيصه بالصائم، و قوله في حديث ابن الزبير: "أفطر رسول الله …"، لا يحتج به لضعف السند إليه كما سبق، و إن كان روي ذلك عن أنس أيضا…
الأمر الثاني:
· الدعاء له و لزوجه بالخير و البركة، و فيه:
- "بارك الله لك"؛
- قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلي بن أبي طالب عندما تزوج بابنته فاطمة: "اللهم بارك فيهما، و بارك لهما في بنائهما"؛
- "على الخير و البركة، و على خير طائر" (أي على أفضل حظ و نصيب، و طائر الإنسان: نصيبه).
- كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "بارك الله لك، و بارك الله عليك، و جمع بينكما في (و في رواية: على) خير".
35- بالرفاء و البنين تهنئة الجاهلية:
و لا يقول: "بالرفاء و البنين"، كما يفعل الذين لا يعلمون، فإنه من عمل الجاهلية، و قد نُهي عنه في أحاديث…
36- قيام العروس على خدمة الرجال:
و لا بأس من أن تقوم على خدمة المدعوين العروس نفسها إذا كانت متسترة (أعني السترة المشروعة، و يشترط فيها ثمانية أشياء: 1- استيعاب جميع البدن إلا الوجه و الكفين. 2- أن لا يكون زينة في نفسه. 3- أن يكون صفيقا لا يشف. 4- و أن لا يصف شيئا من جسمها لضيقه. 5- و لا يكون مطيبا. 6- و لا يشبه لباس الرجال. 7- و لا لباس الكافرات. 8- و لا يكون لباس شهرة… و وضع الألباني كتابا خاصا لبيان الأدلة من الكتاب و السنة على صحة هذه الشروط، تحت اسم "حجاب المرأة المسلمة في الكتاب و السنة") و أمنت الفتنة…
(… و فيه جواز خدمة المرأة زوجها و من يدعوه، و لا يخفى أن محل ذلك عند أمن الفتنة، و مراعاة ما يجب عليها من الستر، و جواز استخدام الرجال امرأته في مثل ذلك، و شرب ما لا يسكر في الوليمة، و فيه جواز إيثار كبير القوم في الوليمة بشيء دون من معه).
و يقول الألباني: و دعوى أن هذه الحادثة كانت قبل نزول الحجاب مما لا دليل عليها، و ليس في الحديث ما يشير أدنى إشارة إلى أن المرأة كانت غير متجلببة حتى يصار إلى دعوى النسخ، و نحن لا نزال نرى حتى اليوم الفلاحات المتجلببات يقمن بخدمة الضيوف أحسن قيام، و هن محتفظات بسترهن و حشمتهن، فالحق أن الحديث محكم ليس هناك ما ينسخه… و لكن يجب أن لا ننسى الشروط التي ذكرناها في صدر البحث التي يلزم من التمسك بها جعل هذه الإباحة نظرية غير عملية، في كثير من المدن اليوم؛ لخروج أكثر نسائها عن آداب الشريعة في ألبستهن و حشمتهن).
37- الغناء و الضرب بالدُف:
أو الدَف، و هو الذي لا جلاجل فيه، فإن كانت فيه فهو المزهر).
يجوز له أن يسمح للنساء في العرس بإعلان النكاح بالضرب على الدف فقط، و بالغناء المباح الذي ليس فيه وصف الجمال و ذكر الفجور…
38- الإمتناع عن مخالفة الشرع:
يجب عليه أن يمتنع من كل ما فيه مخالفة للشرع، و خاصة ما اعتاده الناس في مثل هذه المناسبة، حتى ظن كثير منهم -بسبب سكوت العلماء- أن لا بأس فيها، و أنا (الألباني) أنبه هنا على أمور هامة منها:
1) تعليق الصور على الجدران، سواء كانت مجسمة أو غير مجسمة، لها ظل، أو لا ظل لها، يدوية أو فوتوغرافية، فإن ذلك كله لا يجوز، و يجب على المستطيع نزعها إن لم يستطع تمزيقها…
- عن عائشة رضي الله عنها قالت: "دخل عليَّ رسول الله e و قد سترتُ سَهوةً (هو بيت صغير منحدر في الأرض قليلا، شبيه بالمخدع و الخزانة) لي بقِرامٍ (القرام؛ بكسر القاف: الستر الرقيق، و قيل: الصفيق من صوف ذي ألوان، و قيل: هو الستر الرقيق وراء الستر الغليظ… هو ثوب من صوف فيه ألوان من العهون، و هي شقق تتخذ سترا، و يغطى به هودج أو كِلَّة، و الجمع قٌرُم) فيه تماثيل، (و في رواية: فيه الخيل ذوات الأجنحة)، فلما رآه هتكه، و تلون وجهه، و قال: يا عائشة! أشد الناس عذابا عند الله يوم القيامة الذين يضاهون بخلق الله، (و في رواية: إن أصحاب هذه الصور يعذبون، و يقال لهم: أحيوا ما خلقتم، ثم قال: إن البيت الذي فيه الصور لا تدخله الملائكة)، قالت عائشة: فقطعناه فجعلنا منه وسادة أو وسادتين، ]فقد رأيته متكئا على إحداهما و فيها صورة[".
(يقول الألباني: و في هذا الحديث فائدتان:
الأولى: تحريم تعليق الصور، أو ما فيه صورة.
و الثانية: تحريم تصويرها سواء كانت مجسمة أو غير مجسمة، و بعبارة أخرى: لها ظل أو لا ظل لها، و هذا مذهب الجمهور، قال النووي: "و ذهب بعض السلف إلى أن الممنوع ما كان له ظل، و ما لا ظل له فلا بأس باتخاذه مطلقا، و هو مذهب باطل، فإن الستر الذي أنكره النبي e كانت الصورة فيه بلا ظل، و مع ذلك فأمر بنزعه".
و أجاب بعض من كتب في هذه المسألة من المعاصرين عن حديث عائشة هذا ب "أن هذه الصورة تخالف الواقع، و تصف الكذب، إذ ليس في الوجود خير ذات أجنحة، و من أجل ذلك كره رسول الله e هذا الرسم"!
قلت: و هذا الجواب باطل من وجوه:
أولا: أنه ليس في الحديث ما يشير أدنى إشارة إلى أن سبب الإنكار إنما هو مخالفة الصورة للواقع! بل فيه ما هو كالصريح على أن العلة غير ذلك، و هو قوله e:
"إن البيت الذي فيه الصور لا تدخله الملائكة"، فأطلق الصور، و لم يخصها بنوع معين، فلهذا هتك e الستر، و أمر بنزعه منعا للسبب المانع من دخول الملائكة إلى البيت، و هذا واضح جدا.
ثانيا: لو كان سبب الإنكار هو المخالفة التي ذكرها حضرة الكاتب المشار إليه؛ لما أقر رسول الله e عائشة على اتخاذها في جملة لعبها فرسا له جناحان في قصة أخرى كما سيأتي في الحديث الخامس من المسألة 40.
فسقط بهذا كلام حضرة الكاتب، و ظل الحديث محكما ليس له معارض.
و أما حديث أبي طلحة: "إن الملائكة لا تدخل بيتا فيه صورة، إلا رقما في ثوب"، فمعناه: "في ثوب ممتهن غير معلق"، كما أفاده حديث عائشة هذا، فإنه صريح في أن الملائكة لا تدخل البيت ما دام فيه صورة معلقة، بخلاف ما إذا كانت ممتهنة، كما أفاده قولها: "فقد رأيته متكئا على ‘حداهما، و فيها صورة"، فهذه الصورة هي التي لا تمنع من دخول الملائكة، فحديث عائشة مفصل، فهو يخصص حديث أبي طلحة، فلا يجوز الأخذ بعمومه كما فعل حضرة الكاتب.
على أنه قد أخطأ فيه مرة أخرى، فإنه استدل به على جواز تصوير الرقم في الثوب، و بنى عليه جواز التصوير على الورق! و هذه مغالطة، فالحديث لا يجيز إلا الإستعمال على ما فصلنا، و أما تصوير الصورة نفسها فهذا مما لم يتعرض الحديث لبيناه، و إنما تعرض له حديث عائشة، و هو صريح في تحريم التصوير على الثوب، بقوله فيه: "إن أصحاب هذه الصور يعذبون…"، فلا يجوز ترك هذا النص لحديث أبي طلحة الذي لم يتعرض لهذه المسألة، و هذا بيِّن لكل منصف إن شاء الله.
و يتفرع مما ذكرنا أنه لا يجوز لمسلم عارف بحكم التصوير أن يشتري ثوبا مصورا -و لو للإمتهان- لما فيه من التعاون على المنكر، فمن اشتراه و لا علم له بالمنع؛ جاز له استعماله ممتهنا، كما يدل عليه حديث عائشة هذا، و الله الموفق.
هذا؛ و لعل الصورة المذكورة في آخر الحديث: "فقد رأيته متكئا على إحداهما و فيها صورة"، كان وقع القطع في وسطها، بحيث إنها خرجت عن هيئتها، و بهذا جمع الحافظ بين الحديثين و بين حديث النمرقة المتقدم في المسألة 33…
ثم وجدت ما يؤيده من رواية أبي هريرة في حديث جبريل الآتي أنه قال للنبي e: إن في البيت سترا في الحائط فيه تماثيل، فاقطعوا رؤوسها، فاجعلوها بسائط أو وسائد، فأوطئوه، فإنا لا ندخل بيتا فيه تماثيل…
- الصورة الظاهرة تمنع من دخول الملائكة، و لو كانت ممتهنة، لأنه صلى الله عليه وسلم امتنع من الدخول حتى أخرجت، و فيها قال كلمته: "إن الملائكة لا تدخل بيتا فيه صورة"-.
- تِمثال: بكسر التاء، و هي الصورة كما في "القاموس" و غيره، فالتمثال يطلق على الصورة المجسمة و غير المجسمة خلافا لما يتوهم البعض، و قد استعمل في الحديثين بالمعنيين، فهنا أراد المعنى الأول، بدليل الأمر بقطع الرأس، و في المحل الآتي أراد المعنى الثاني.
- و التغيير الذي يحل به استعمال الصورة، إنما هو الذي يأتي على معالم الصورة فيغيرها، بحيث إنه يجعلها في هيئة أخرى، و قد عبر بعض الفقهاء عن هذا التغيير بقوله: "إذا كانت بحيث لا تعيش جاز استعمالها".
و هذا تعبير قاصر كما لا يخفى، و لهذا كان عمدة لبعض المحتالين على النصوص، الذين يحاولون الخلاص منها بتأويلها، أو بتحكيم آراء الرجال فيها، و أصدق مثال على ذلك مقال طويل لبعضهم كنت (الألباني) قرأته منذ سنين… خلاصته أنه يجوز للمسلم الفنان (!) أن ينحت صنما كاملا؛ على أن يحفر حفرة في الرأس تصل إلى الدماغ، بحيث إنه لا يعيش لو كان حيا! ثم تفنن حضرة الشيخ، فذكر أنه لكي لا يظهر عيب الصنم من الناحية الفنية للناظرين، فإنه بإمكان الفنان أن يضع الشعر المستعار على الرأس المحفور، و بذلك تنستر الفجوة، و يبدو تمثالا كاملا لا عيب فيه يرضي الفنانين (!)، و في الوقت نفسه يكون قد أرضى الشارع بزعمه! فهل رأيت أيها المسلم تلاعبا بالشريعة و نصوصها ما يشبه هذا التحريف المنشور في مجلة محترمة! تالله إن هذا لأشبه شيء بعمل من ضربت عليهم الذلة و المسكنة الذين قال تعالى فيهم: !واسألهم عن القرية التي كانت حاضرة البحر إذ يعدون في السبت إذ تأتيهم حيتانهم يوم سبتهم شُرَّعا و يوم لا يسبتون لا تأتيهم كذلك نبلوهم بما كانوا يفسقون!، و قال فيهم رسول الله e "قاتل الله اليهود، إن الله لما حرم شحومها جملوه (أي ذوبوه) ثم باعوه و أكلوا ثمنه". متفق عليه.
و لهذا حذرنا صلى الله عليه وسلم من اتباع سنتهم فقال: "لا ترتكبوا ما ارتكب اليهود فتستحلوا محارم الله بأدنى الحيل"… و لكن ذلك كله ما أغنى شيئا بعض هؤلاء المتشبهين بهم، لهوى في نفوسهم، أعاذنا الله منه.
و قريب من هذا تفريق بعضهم بين الرسم باليد، و بين التصوير الشمسي، بزعم أنه ليس من عمل الإنسان! و ليس من عمله فيه إلا إمساك الظل فقط! كذا زعموا، أم ذلك الجهد الجبار الذي صرفه المخترع لهذه الآلة حتى استطاع أن يصور في لحظة ما لا يستطيعه دونها في ساعات، فليس من عمل الإنسان عند هؤلاء! و كذلك توجيه المصور للآلة و تسديدها نحو الهدف المراد تصويره، و قبيل ذلك تركيب ما يسمونه بالفلم، ثم بعد ذلك تحميضه، و غير ذلك مما لا أعرفه، فهذا أيضا ليس من عمل الإنسان عند أولئك أيضا! و قد تولى بيان كيف يتم التصوير الشمسي الأستاذ… و خلاصته أنه لابد للمصور من أن يأتي بأحد عشر نوعا من الأفعال حتى تخلق الصورة، و مع هذا كله فالأستاذ المذكور العليم بهذه الأنواع يقول دون أي تردد: "إن هذه الصورة ليست من عمل الإنسان"!!
و ثمرة هذا التفريق عندهم أنه يجوز تعليق صورة رجل مثلا في البيت إذا كانت مصورة بالتصوير الشمسي، و لا يجوز ذلك إذا كانت مصورة باليد! و لو أن مصورا صور هذه الصورة اليدوية بالآلة جاز تعليقها أيضا عندهم، فهل رأيت أيها القارئ جمودا على ظواهر النصوص مثل هذا الجمود؟ أما أنا فلم أر له مثلا إلا جمود بعض أهل الظاهر قديما، مثل قول أحدهم في حديث: "نهى رسول الله e عن البول في الماء الراكد". قال: فالمنهي عنه هو البول في الماء مباشرة، أما لو بال في إناء ثم أراقه في الماء، فهذا ليس منهيا عنه! يقول هذا مع أن تلويث الماء حاصل بالطريقين، و لكن جموده على النص منعه من فهم الغاية من النص.
و كذلك هؤلاء المبيحون للتصوير الشمسي؛ جمدوا على طريقة التصوير التي كانت معروفة في عهد النهي عنه، و لم يلحقوا بها هذه الطريقة الجديدة من التصوير الشمسي، مع أنها تصوير لغة و شرعا و أثرا و ضرار كما يتبين ذلك بالتأمل في ثمرة التفريق المذكور آنفا.
لقد قلت (الألباني) لأحدهم منذ سنين: يلزمكم على هذا أن تبيحوا الأصنام التي لا تنحت نحتا، و إنما بالضغط على الزر الكهربائي الموصول بآلة خاصة تصدر عشرات الأصنام في دقائق كما هو معروف بالنسبة للعب الأطفال و نحوها من تماثيل الحيوانات، فما تقول في هذا؟ فبهت.
و من الغريب أن هؤلاء الظاهرين المحدثين في غفلة من ظاهريتهم إلى درجة أن بعضهم وصفهم بقوله: "و أولئك هم الذين فهموا النص على حقيقته"! و قد آن للقارئ اللبيب أن يتبين من هم أولئك؟ فاعتبروا يا أولي الأبصار.
و قبل أن أنهي هذه الكلمة، لا يفوتني أن ألفت النظر إلى أننا و إن كنا نذهب إلى تحريم التصوير بنوعيه جازمين بذلك، فإننا لا نرى مانعا من تصوير ما فيه فائدة متحققة، دون أن يقترن بها ضرر ما، و لا تتيسر هذه الفائدة بطريق أصله مباح، مثل التصوير الذي يحتاج إليه في الطب، و في الجغرافيا، و في الإستعانة على اصطياد المجرمين، و التحذير منهم، و نحو ذلك؛ فإنه جائز، بل قد يكون بعضه واجبا في بعض الأحيان، و الدليل على ذلك حديثان:
الأول: عن عائشة أنها كانت تلعب بالبنات، فكان النبي e يأتي لي بصواحبي يلعبن معي… واستدل بهذا الحديث على جواز اتخاذ صور البنات و اللُّعب من أجل لَعب البنات بهن، و خص ذلك من عموم النهي عن اتخاذ الصور، و به جزم عياض، و نقله عن الجمهور، و أنهم أجازوا بيع اللعب للبنات لتدريبهن من صغرهن على أمر بيوتهن و أولادهن".
الثاني: … أرسل النبي صلى الله عليه وسلم غداة عاشوراء إلى قرى الأمصار ]التي حول المدينة[، من أصبح مفطرا فليتم بقية يومه، و من أصبح صائما فليصم، قالت: فكنا نصوم بعد، و نصوِّم صبياننا ]الصغار منهم إن شاء الله و نذهب إلى المسجد[، و نجعل لهم اللعبة من العهن، ]فنذهب به معنا[، فإذا بكى أحدهم على الطعام أعطيناه ذاك حتى يكون عند الإفطار، (و في رواية: فإذا سألونا الطعام أعطيناهم اللعبة تلهيهم حتى يتموا صومهم).
فقد دل هذان الحديثان على جواز التصوير واقتنائه إذا ترتبت من وراء ذلك مصلحة تربوية تعين على تهذيب النفس و تثقيفها و تعليمها، فيلحق بذلك كل ما فيه مصلحة للإسلام و المسلمين من التصوير و الصور، و يبقى ما سوى ذلك على الأصل -و هو التحريم- مثل صور المشايخ و العظماء و الأصدقاء و نحوها، مما لا فائدة فيه، بل فيه التشبه بالكفار عبدة الأصنام. و الله أعلم.
- …إنا لا ندخل بيتا فيه صورة و لا كلب…
2) ستر الجدران بالسجاد:
الأمر الثاني مما ينبغي إجتنابه: ستر الجدر بالسجاد و نحوه (أو بستر فيه تصاوير)، و لو من غير الحرير، لأنه سرف و زينة غير مشروعة…
3) نتف الحواجب و غيرها!
الأمر الثالث ما تفعله بعض النسوة من نتفهن حواجبهن حتى تكون كالقوس أو الهلال، يفعلن ذلك تجملا بزعمهن! و هذا مما حرمه رسول الله e و لعن فاعله بقوله: "لعن الله الواشمات (جمع واشمة، اسم فاعل من الوشم، و هو غرز الإبرة و نوها في الجلد حتى يسيل الدم، ثم حشوه بالكحل أو النَّيل فيخضر)، و المستوشِمات (جمع مستوشمة، و هي التي تطلب الوشم)، ]و الواصلات[، و النامصات (جمع نامصة؛ و هي التي تفعل النماص، و المتنمصات جمع متنمصة؛ و هي التي تطلبه. و النماص إزالة شعر الوجه بالمنقاش و غيره، و ذكر الوجه للغالب لا للتقييد، فما قيل: "يقال إن النماص يختص بإزالة شعر الحاجبين لترفيعهما أو تسويتهما"، فمما لا يخفى ضعفه… قال الطبري: لا يجوز للمرأة تغيير شيء من خلقتها التي خلقها الله عليها بزيادة أو نقص التماس الحسن؛ لا لزوج و لا لغيره، كمن تكون مقرونة الحاجبين فتزيل ما بينهما؛ توهم البلج أو عكسه، و من يكون شعرها قصيرا أو حقيرا فتطوله أو تغزره بشعر غيرها، فكل ذلك داخل في النهي، و هو من تغيير خلق الله، و يستثنى من ذلك ما يحصل به الضرر و الأذية)، والمتنمصات، و المتفلجات للحسن (أي: لأجل الحسن، و المتفلجات جمع متفلجة، و هي التي تطلب الفلج، و هو فرجة ما بين الثنايا و الرباعيات، و التفلج أن يفرج بين المتلاصقين بالمبرد و نحوه) ؛ المغيرات خلق الله (صفة للمذكورات جميعا، و هو كالتعليل لوجوب اللعن المستدل به على الحرمة) (وفيه أن النتف يشمل غير الحاجب، و أن الحلق مثله).
4) تدميم الأظفار و إطالتها:
الرابع: هذه العادة القبيحة الأخرى التي تسربت من فاجرات أوربا إلى كثير من المسلمات، و هي تدميمهن لأظفارهن بالصمغ الأحمر المعروف اليوم ب (مينيكور)، و إطالتهن لبعضها - وقد يفعلها بعض الشباب أيضا- فإن هذا مع ما فيه من تغيير لخلق الله المستلزم لعن فاعله، و من الشتبه بالكافرات المنهي عنه في أحاديث كثيرة التي منها قوله صلى الله عليه و سلم: "…و من تشبه بقوم فهو منهم"؛ فإنه أيضا مخالف للفطرة !فطرةَ الله التي فَطَرَ الناس عليها!، وقد قال e: "الفِطرةُ (أي السنة، يعني: سنن الأنبياء عليهم السلام التي أمرنا أن نقتدي بهم) خمس: الإختتان، و الإستحداد (استفعال من الحديد، و المراد به استعمال الموسى في حلق الشعر من مكان مخصوص من الجسد -…الخصال الخمس المذكورة في هذا الحديث كلها واجبة، فإن المرء لو تركها لم تبق صورته على صورة الآدميين، فكيف من جملة المسلمين-)، (و في رواية: حلق العانة)، و قص الشارب، و تقليم الأظفار، و نتف الإبط".
و في حديث آخر عن الرسول صلى الله عليه وسلم:"…وُقِّتَ لنا في قص الشارب، و تقليم الأظفار، و نتف الإبط، و حلق العانة، أن لا تترك أكثر من أربعين ليلة". أي أنه لا يجوز تجاوز الأربعين.
5) حلق اللحى:
الخامس: و مثلها في القبح، و في ذلك عدة مخالفات:
أ- تغيير خلق الله… دون إذن منه تعالى، هو إطاعة لأمر الشيطان، و عصيان للرحمان جل جلاله…و لا شك في دخول حلق اللحية للحُسن (!) في اللعن المذكور سابقا…
ب- مخالفة أمره صلى الله عليه وسلم و هو قوله: "أنهكوا (أي: بالغوا في القص، و مثله "جزوا"، و المراد المبالغة في قص ما طال على الشفة لا حلق الشارب كله، فإنه خلاف السنة العملية الثابتة عنه e، و لهذا لما سئل مالك عمن يحفي شاربه؟ قال: أرى أن يوجع ضربا، و قال لمن يحلق شاربه: هذه بدعة ظهرت في الناس… ) الشوارب، و أعفوا اللحى". و من المعلوم أن الأمر يفيد الوجوب إلا لقرينة، و القرينة هنا مؤكدة للوجوب، ز هز’
ج- التشبه بالكفار: قال صلى الله عليه وسلم: "جزوا الشوارب، و أرخوا اللحى، خالفوا المجوس"
و يؤيد الوجوب أيضا:
د- التشبه بالنساء، فقد:
"لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم المتشبهين من الرجال بالنساء، و المتشبهات من النساء بالرجال".
-قال الألباني: و مما لا ريب فيه -عند من سلمت فطرته و حسنت طويته- أن كل دليل من هذه الأدلة الأربعة كاف لإثبات وجوب إعفاء اللحية و حرمة حلقها، فكيف بها مجتمعة؟!
و لذلك قال شيخ الإسلام ابن تيمية: و يحرم حلق لحيته.
و لا يخفى أن في حلق الرجل لحيته -التي ميزه الله بها على المرأة- أكبر تشبه بها- فلعل فيما أوردنا من الأدلة ما يقنع المبتلين بهذه المخالفة، عافانا الله و إياهم من كل ما لا يحبه و لا يرضاه.
6) خاتم الخطبة:
السادس: لبس بعض الرجال خاتم الذهب الذي يسمونه ب "خاتم الخطبة" فهذا مع ما فيه من تقليد الكفار أيضا- لأن هذه العادة سرت إليهم من النصارى (و يرجع ذلك إلى عادة قديمة لهم، عندما كان العروس يضع الخاتم على رأس إبهام العروس اليسرى، و يقول: باسم الآب. ثم ينقله واضعا له على رأس السبابة، و يقول: الإبن. ثم يضعه على رأس الوسطى، و يقول: الروح القدس، و عندما يقول آمين يضعه أخيرا في البنصر حيث يستقر).
ففيه مخالفة صريحة لنصوص صحيحة تحرم خاتم الذهب على الرجال و على النساء أيضا كما ستعمله، و إليك بعض هذه النصوص… أنظر الملحقات.
40- وجوب إحسان عشرة الزوجة:
و يجب عليه أن يحسن عشرتها، و يسايرها فيما أحل الله لها -لا فيما حرم-، و لا سيما إذا كانت حديثة السن… و في ذلك أحاديث:
الأول: قوله صلى الله عليه وسلم: “خيركم خيركم لأهله، و أنا خيركم لأهلي".
الثاني قوله صلى الله عليه وسلم في خطبة حجة الوداع: "… ألا واستوصوا بالنساء خيرا، فإنهن عوانٍ عندكم، ليس تملكون منهن شيئا غير ذلك؛ إلا أن يأتين بفاحشة مبينة (أي ظاهرة: "و كل خصلة قبيحة، فهي فاحشة من الأقوال و الأفعال"… و المراد النشوز و شكاسة الخلق، و إيذاء الزوج و أهله باللسان و اليد، لا الزنا، إذ لا يناسب قوله (ضربا غير مبرح)، و هذا هو الملائم لقوله تعالى: !و اللائى تخافون نشوزهن! الآية، فالحديث على هذا كالتفسير لها، فإن المراد بالضرب فيها هو الضرب المتوسط لا الشديد)، فإن فعلن فاهجروهن في المضاجع، واضربوهن ضربا غير مبرح، فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا. فأما حقكم على نسائكم؛ فلا يوطِئْنَ فرشَكُم مَن تكرهونَ، و لا يأذَنَّ في بيوتكم لمن تكرهون، ألا وحقُّهن عليكم أن تحسنوا إليهن في كسوتهن و طعامهن".
و الثالث: قوله صلى الله عليه وسلم: "لا يَفْرِكْ (أي لا يبغض) مؤمنٌ مؤمنةً، إن كره منها خُلقاً رضي منها آخر".
الرابع: قوله صلى الله عليه وسلم: "أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خُلُقاً، و خيارهم خيارهم لنسائهم".
إلخ… الخامس … أنظر الملحقات…